محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
198
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الشاهد سقوطه لم يرفعه وإلا رفعه وبين الحال كما قاله في المغني فيمن شهد برهن الرهن ثانيا على دين أخده الراهن من المرتهن وجعله الراهن رهنا بهما . وأما إذا كان مصرا على المحرم ولم يتب فهذا يجب إنكار الفعل الماضي وإصراره ، وهل يرفعه إلى ولي الأمر ؟ قد تقدم الكلام في وجوب الستر واستحبابه والتفرقة فيه ، ولهذا تقبل الشهادة عندنا بسبب قديم يوجب الحد في المشهور من المذهب فهذا إنكار وإقامة شهادة ، وعلل المنع بما روى عن عمر رضي اللّه عنه : إنما شهد لضغن ، ولم يعلل بأن الشاهد فعل ما لا يجوز . وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم " 1 " وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " احتج آدم وموسى عليهما السّلام فقال موسى : يا آدم خيبتنا وأخرجتنا من الجنة " وفي لفظ ( تحاج آدم وموسى فقال له موسى : أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة " " 2 " وفي لفظ ( احتج آدم وموسى عند ربهما عز وجل فقال موسى : أنت آدم خلقك اللّه عز وجل بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض ، قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا ، فبكم وجدت اللّه عز وجل كتب التوراة قبل أن أخلق ؟ قال موسى بأربعين عاما . قال أدم : فهل وجدت فيها : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ سورة طه : الآية 121 ] . قال نعم ، قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه اللّه عز وجل علي أن أعمله قبل أن أخلق بأربعين سنة ؟ " " 3 " وفي الألفاظ كلها قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " فحج آدم موسى " وللبخاري في رواية " فحج آدم موسى " ثلاثا - والمراد بقوله أتلومني على أمر قدره اللّه عز وجل علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ هذه الكتابة في التوراة كتصريح هذه الرواية لأن علم اللّه عز وجل وما قدره وأراده قديم . وآدم مرفوع بالاتفاق أي غلب فظهر بالحجة . قال في شرح مسلم : ومعنى كلام آدم إنك يا موسى تعلم أن هذا كتب وقدر علي فلا بد من وقوعه فلا تلومني على ذلك لأن اللوم على الذنب شرعي لا عقلي وإذ تاب اللّه عز وجل على آدم وغفر له زال عنه اللوم ، فمن لامه كان محجوجا بالشرع . فإن قيل : فالعاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها اللّه عز وجل علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وإن كان صادقا فيما قاله ( فالجواب ) أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم وغيرهما وفي زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت ،
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6614 ) ومسلم ( القدر / 2652 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 4736 ) ومسلم ( القدر / 2652 ) بلفظ ( أشقيت ) بدلا من ( أغويت ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 3409 ) ومسلم ( القدر / 2652 ) .